الشيخ محمد رشيد رضا
188
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لا ينافي كونه كلام لبيد القديم النسبي غير الأزلي - وكلام اللّه القديم الأزلي حقيقة أولى ( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) فلا حاجة تدعو العقل إلى وصفه بأنه مخلوق أو حادث لان المخلوقين المحدثين يتناقلونه بألسنتهم وأقلامهم وسائر آلاتهم المحدثة ولا إلى التفصي من القول بأنه ذو حروف مرتبة ولا بان تلقيه يسمى سماعا كقوله تعالى ( حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ) إذا جعلت هذا البيان وسيلة لفهم ما ورد في الكتاب والسنة من اثبات الكلام للّه تعالى وكون ما أوحاه إلى رسله عليهم الصلاة والسّلام من كلامه تعالى مع اجتناب التعطيل والتشبيه جميعا وفاقا للسلف الصالح ، ومع التقريب بالمثال المناسب لحال هذا العصر في علومه وفنونه ، فلك بعد هذا أن تجعله مثالا يقرب من عقلك معنى تجلى الرب سبحانه في الصور المختلفة والحجب على تنزهه عن مشابهة تلك الصور والحجب قد علمت أن للكلام حقيقة ولك - مع أمن اللبس - أن تقول صورة هي مظهر العلم في النفس ومبدأ اظهار ما شاء العالم المتكلم أن يظهر من علمه لغيره - وأن له صورا أخرى في أنفس من ألقي إليهم شيء منه على اختلاف أحوال أنفسهم من ملكية وبشرية ، وصورا أخرى في الهواء وفي الخط على الكاغذ وفي النقش على ألواح الفونغراف . وهذه الصور على ما بينها من التباين التام مظاهر لحقيقة واحدة هي ما أراد العالم المتكلم اظهاره من علمه بكلامه كبيت لبيد الشاعر - وكقوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ * وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ * فمن تلقى هذه السورة من لسان القارئ ، أو من الصورة التي كتبت بها السورة بحروف من الخط الكوفي أو النسخي أو الفارسي أو غيرها علم بها من كلام اللّه عين ما علمه جبريل وموسى ومحمد وغيرهم من الرسل في التلقي عن اللّه تعالى بلا وساطة أو التلقي عن جبريل عليهم السّلام . وهو عين كلام اللّه تعالى القائم بنفسه من حيث إنه هو المظهر لمعاني هذه السورة من علمه ومن حيث إنه لا عمل